استطلاع رأي
  إشهار
الفايسبوك
تعقيبات الفايسبوك
الدكتور منير السعيداني: ما حدث في تونس هو دورة من دورات التغير الاجتماعي التي لا تتوقف
جريدة شمس الجنوب  مقالات وآراء  |  تونس  تونس
تاريخ النشر : 2014-08-15 - ساعة النشر : 12:53:13
أقترح توجيه التفكير نحو ما يمكن أن يجسّد ترتيبات ودية حرة بين مواطنين أحرار في نصوص تشريعية قانونية وممارسات تنظيمية إدارية تشكل فضاء تعايش منفتح - ما حدث في تونس هو دورة من دورات التغير الاجتماعي التي لا تتوقف عالم الاجتماع التونسي منير السعيداني أستاذ محاضر في الجامعة التونسية له اهتمامات عدّة بعلم الاجتماع الثقافي وقد تناولت بحوثه قضية الهوية والشباب والتغير الاجتماعي والثقافي .تتميز أطروحاته البحثية بالجدة في الاستنتاج والتفكير السوسيولوجي المعمق. مجلة "مسارات " أجرت معه حوار مطولا مهما تطرق فيه الدكتور السعيداني إلى أسئلة حارقة في علاقة لصيقة بالواقع الاجتماعي التونسي في مرحلة ما بعد الثورة. ونظرا إلى أهمية الحوار، فإننا نورد بعض ما جاء فيه من تحليلات معمقة . على خلاف أكثر علماء الاجتماع بتونس الذين أحجموا عن الانخراط في الكتابة والنشر حول الحركة الاجتماعية الجارية منذ ثلاث سنوات من منطلقات مختلفة، فإنّ الأستاذ منير السعيداني يعدّ واحدا من مجموعة قليلة اندرجت في جهد معرفيّ لتفكيك هذا الحراك وفهمه. فما هي الخلفيات المعرفية المؤسّسة لموقفكم هذا؟ وهل تؤمنون بوجود نوع من الالتزام الأخلاقي بين عالم الاجتماع والمجتمع الذي يدرسه؟ -أنا أعتبر أن عالِم الاجتماع يتميّز بموقع مخصوص ضمن المشتغلين بالمعرفة الإنسانية والاجتماعية. على عكس اعتقاد سائد أنا أرى أنه مطالب بنوع من "طرق الحديد الساخن" إن صحّت الاستعارة. في مثل ما نحيا في تونس من تغير اجتماعي دورته الراهنة حادة وسريعة وعميقة نكون إزاء مختبر مفتوح نرى فيه تنازع المآلات الاجتماعية في أجلى صورة ممكنة. من الوهم الاعتقاد أن مزيدا من الوقت كفيل بجعل المشهد أكثر وضوحا والمعطيات أكثر وفرة والتحاليل أيسر توفيقا. الحقيقة أن "المجتمع" لا يكف عن التغيّر وما هو حادث اليوم لن يكون على ما هو عليه غدا وهكذا دواليك. القول بضرورة انتظار "اتضاح المشهد" يستند إلى تصوّر ضمني يظن أن "المجتمع" سيعود إلى هدوئه وينتهي من جيشانه فيتيسّر لنا أن نفهمه ونحلله. وجهة النظر المخالفة وهي التي أتبنى تقول بأن الجيشان الاجتماعي لا يني يعاود الفوران كلما ظننا أنه استقر. معرفيا إذا هناك نظرتان إما اعتبار المجتمع متغيرا على الدوام أو اعتباره ساكنا إلا قليلا. المستوى الثاني يتعلق بالاعتقاد في قدرة عالم الاجتماع على التفسير وما يتطلبه ذلك من صفاء الذهن بعد انقشاع غبار الجيشان. وكأنّ الخطاب العلمي الاجتماعي متعال عمّا يتناول، له مواعيد محددة هي عادة بعد انقضاء الفعل. ما أتبناه هو العكس أي اعتبار ذلك الخطاب سجلاّ من سجلاّت وعي "المجتمع" بذاته وفعله فيها. اصطراع المآلات الاجتماعية المتنازعة يتمّ كذلك على مستوى الخطابات التفسيرية والتأويلية ومنها الخطاب العلمي الاجتماعي. ليس عالم الاجتماع مصدرا محايدا للمعرفة التي تطلب انقضاء لحظة حضور الفاعلين في التاريخ بحيث يهدأ روعهم ليستمعوا إليه يلقي عليهم دلائل حكمته المتعالية. أساس الالتزام الأخلاقي الذي وردت الإشارة إليه في الجزء الثاني من السؤال هو نوع من العقد الضمني بين عالم الاجتماع والفاعلين بحيث يرى فيهم ذواتا، فردية وجماعية، قادرة على فعل تغييري حر ومُحَرِّرٍ يعالجون به ما يصيب مجتمعهم من أدواء الحيف والهيمنة والعنف والاستعباد. - في رسمكم للمشهد الحزبي بتونس قي سياق الديناميات التي انطلقت منذ 17 ديسمبر 2010 اعتبرتم أنّ تحرّك 15 أوت 2011 "هو آخر تحرّك جماهيري في سياق العمل على استعادة الزخم الجماهيري الذي يتجه إلى تحقيق أكبر ما يمكن من المطالب الشعبية". فهل ترون ذلك توقّفا نهائيا للمسار الثوريّ، أم أنّه لحظة ضرورية لاستئنافه؟ ليس في الحركة الاجتماعية، على ما أرى، لحظات توقف. هي في كل لحظاتها تعيش بناءا وهدما وإعادة بناء. أنا أتبنى الصورة التي ترى أن في كل مجتمع، وفي أية لحظة من لحظات مساراته التاريخية طويلة الأمد، "شيء ما" يتداعى للسقوط في مقابل "شيء ما" آخر يستجمع ما يمكّنه من الانتصاب. ولكننا على كل حال مجبرون في الخطابات العلمية التفسيرية أو التأويلية على تعيين بعض المؤشرات التي تساعد على التفكير التحليلي الناقد. من هذه المؤشرات ما كان يوم 15 أوت 2011 من افتراق واضح للنهج الاجتماعي للثورة عن النهج الذي ساد بعد ذلك وصولا أوّلا إلى انتخابات 23 أكتوبر 2011 ثم ما تلاها. كان ذلك الافتراق شرخا حتمي الحدوث وإن لم تكن نتائج محتّمة، ووجها من أوجه الصراع بين ما اعتبرتُه ولا أزال إمكانية اتجاه الثورة نحو الخروج من الدّولة ما بعد الاستعمارية إلى دولة الرعاية الاجتماعية المستقلة الديمقراطية العادلة من جهة أو تذويب ذلك الهدف الأسمى للثورة تدريجيا في "انتقال ديمقراطي" يكتفي بتحويرات دستورية في شكل الدولة وعلاقتها برعاياها، لا مواطنيها، من جهة ثانية. منذ تعمّق نتائجها السياسية الملحوظة بوضعها رأس النظام السياسي وإبعاده عن الحكم اختزنت الثورة ذاك الاحتمال التاريخي الذي يبدو أنه تأجل... إلى حين ربّما. احتمال أن يكون انتهاء صلاحية الدولة التي بنيت بعد 20 مارس 1956 والتي أسميها الدولة ما بعد الاستعمارية مفضيا لا إلى مراجعة شكلها فحسب فتصير مدنية وديمقراطية أقل أو أكثر بل إلى مراجعة فلسفة وجودها ذاته تجاه التراب الوطني الذي تحكمه والمواطنين الذين ترعى حقوقهم الاجتماعية رئيسيا في ما هو واجب من حوكمة ديمقراطية وعادلة وتجاه الخارج بما هو بنية من العلاقات الدولية غير المكافأة يتدرج فيها طيْف الدّول والقوى بين شقيق وصديق وحليف وخصم وعدو. في فهمي إذا، ما حدث هو دورة من دورات التغير الاجتماعي التي لا تتوقف. - بقدر صرامتكم في استخدام المفاهيم وتخيّركم بعناية لمصطلحاتكم، فإنكم لا تتردّدون في توصيف الحراك الحاصل بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011 بالثورة. فهل في رأيكم قد توفّرت فعلا المقوّمات الكلاسيكيّة للثورة أم أنّ الأمر يتعلّق بنموذج ثوريّ جديد متطابق مع سياق العصر؟ خارج التحديدات السياسية المتأدلجة ليست توجد مقومات كلاسيكية للثورة سوى أنها تعني انقلابا شاملا إلى هذا الحد أو ذاك في كيفية اشتغال المجتمع أو أحد قطاعاته. بهذا المعنى يكون لكل ثورة من الخصائص ما يجعلها فريدة متميّزة عن غيرها وإن جمعتها إليها بعض مميزات. في ما نحن فيه في تونس، خاض المجتمع حركة من مراجعة أسس بنائه العلاقات بين عدد من مكوناته مراجعة عميقة إلى حد كبير. خذ لك مثلا العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أو العلاقة بين السلطات، أو حتى العلاقة بين المرجعيات السياسية المتنازعة... في العلاقة بين الحاكم والمحكوم تم تحوير ذو بال لم يعد بموجبه الأول قدرا على حكم الثاني بذات الطريقة ولا الثاني قابلا بأن يحكم بها. بالنسبة إلى المرجعيات السياسية انقلبت العلاقة بين المهيمن والمهيمن عليه. بعد ما حدث، لم يعد يعني وجودك في السلطة أنك تحوز على الهيمنة على المجال السياسي ولا العكس يعني أن تكون بالضرورة على سدة الحكم... ما يهمّني إذًا هو ما أسميّه كيفية اشتغال المجتمع على ذاته رسما لمآله التاريخي. ورغم تعدد الحركات الاجتماعية خلال مختلف عشريات الدولة ما بعد الاستعمارية في تونس، لم توضع هذه المسألة قيد الاحتمال التاريخي وإذًا قيد الإنجاز المجتمعي إلا في سياق الحركة الاجتماعية التي اندلعت في 17 ديسمبر فاستحالت انتفاضة وتطوّرت إلى ثورة. بهذا المنظار فهمت ما حدث أو أوّلته، وأجدُني الآن أكثر ميْلا إلى إضافة وصف لهذه الثورة... وأعتقد أن أقرب واحد لها هو... "مغدورة". - توقّفتم أكثر من مرّة عند ضعف تمثيل الشباب، من ذلك أنّ خمسة بالمائة فقط من نواب المجلس التأسيسي هم من الفئة العمرية أقلّ من 30 سنة، فبماذا تفسّرون هذا الطوق المضروب على الشباب؟ وكيف تقرؤون تهرّم جلّ الأحزاب والمنظّمات والجمعيات التقليدية المعروفة؟ - هذا وجه من أوجه ما غُدِرت به هذه الثورة. بالعودة إلى مناظير اجتهدتُ في أن تكون أقلّ ما أمكن تقليدية ومُحَاوِرَةً لآلان توران، وشارلز تيللي، وسيدني تارو،... أحاول أن أفهم القاع العميق لما حدث. أجدُني أقرب إلى التفكير من منطلقات النظرية ما بعد الاستعمارية ونظرية الاستتباع وما بعدها. من مُوَجِّهات التحليل الذي أحاول تطويره ضرورةُ عمل الباحث على اكتشاف تأثير بُنَى الهيمنة الفرعية ضمن البنية العامة للهيمنة بحيث تتظافر العوامل في توجيه مآلات مسارات التغيير الاجتماعي مُرَاوِحَةً بين أقلّ صُوَرِهَا احتمالاً وأكثر إنجازاتها "حتمية" . مثال الشباب حالة مواتية تماما لاختبار صحّة الفرضية. ضمن صفّ الفاعلين الاجتماعيين الخائضين في الثورة كان الشباب قوّة من القوى الرئيسة من حيث ريادية الدّور واتساع الأفق وإبداعية الإنجاز ولكنّه كان من القوى التي تلقّت الأثر السالب لاستدامة سيطرة غيرهم على مآلات الثورة. المجتمع الذي كانت تحكمه الدولة ما بعد الاستعمارية كان غير عادل (بنية هيمنة عامة) وإذا ما قرأنا ما حدث على أنه سياق تثوير (فعل قوى مناهضة لبنية الهيمنة) ونظرنا إلى قواه الفاعلة وجدناها منقسمة على ذاتها في مستويات عدّة من بينها انشطارها بين شباب وكهول- شيوخ (بنية هيمنة فرعية). هذه حالة نموذجية للوضعية التي يكون فيها الثائرون على الهيمنة خاضعين هم أنفسهم إلى تراتب داخلي غير متكافئ يختزن بنية هيمنية أخرى تمثّل بذرة مجتمع آخر غير عادل هو أيضا. قد يساعد هذا على فهم محدودية التّغيير الذي تمّ أو ما تعرض له من "الغدر". تسارع بعض التوصيفات السياسية إلى التأشير على أن ما حدث بعد ذلك وبمناسبة انتخابات 2011 "انسحاب للشباب من حلبة الصراع السياسي" وتسميّه "عزوفا" عن الممارسة السياسية. ينبني هذا القول على ضمنيات مركزيات متراتبة: المركزية السياسية (اعتبار السياسة مركز الفعل الاجتماعي)، المركزية الحزبية (اعتبار الحزب أرقى تركيز ممكن للفكرة السياسية الفاعلة)، المركزية التنظيمية (اعتبار التنظيم السياسي أفضل أداة للفعل) المركزية الانتخابية (اعتبار الانتخابات أضمن طريقة لتصعيد "الممثلين" السياسيين)... في كل هذه المركزيات ترجُح الكفّة لغيْر صالح الشباب. توسيع النظر في السياق التثويري من منظور انشطاره على ذاته يمكن أن يشير إلى مركزيات مقابلة: الشباب بدلا عمّن عداهم، الحياتي (نظرة إلى العالم، طرق عيش، سياسات مظهرية وسلوكية، فن،...) بدلا عن السياسي، الشبكي بدلا عن الحزبي، التفاعليّ بدلا عن التنظيمي، الهيمني (بالمعنى الغرامشي) بدلا عن الانتخابي... يمكن قول الشيء ذاته من منظور خطوط انشطار أخرى: النساء في مقابل الرجال، الفقراء في مقابل المرفهين أو حتى متوسطي الحال، الأميون في مقابل المتعلمين، الريفيون في مقابل الحضريين،... في السياق التثويري الذي نحيا أطللنا على احتمالات حبلى بتغيير بنية التراتب بين المركزيات المتنازعة ولكن ذلك لم يَؤُلْ إلى قَلْبِهَا. - بالإضافة إلى تركيزكم على الحراك المجتمعي في بعده الثقافي بوصفه معطى سوسيولوجيا يحتاج إلى التحليل، نلاحظ أنّكم تحاولون الاشتغال على الجهاز المفاهيميّ من خلال تحليل ومحاولة تأصيل بعض عناصر السجلّ الاصطلاحيّ المقترن بهذه الحركة مثل التسامح والاعتصام. فكيف توائمون بين البعد الميداني والبعد النظري في تحليلكم للراّهن؟ - بعض عناصر الإجابة على هذا السؤال واردة في إجابات سابقة. أضيف عليها أن الاشتغال على الاعتصام بوصفه شكلا من الاحتجاج- المطالبة يندرج في ما أسميته منذ حين سياقا تثويريا. التمحيص في المثال جعلني أقف على محدودية تصنيفه ضمن ما اعتيد على تسميته "بالفضاء العمومي" فخيّرت عليه تصنيفه على أنّه "فضاء عمومي مقاوم" مستندا إلى ما نَقَدَ به أوسكار نيغت تنظيراتِ يورغن هابرماس. بهذا المعنى كان الاعتصام وهو بالمناسبة شبابي رئيسيا، وغير سياسي بالمعنى الحزبي للكلمة وغير انتخابي... إلخ، افتتاحا لإمكانيات غير مسبوقة في اشتغال المجتمع على مآلات التغيير الاجتماعي فيه. ما تمّ في القصبة واحد ثم اثنين كان تحدّيا صارخا لا مزيد على وضوحه للبنية السياسية الحزبية الحضرية المدينية المركزية العاصمية... وكان ذلك إطلالة خاطفة أنزتها بعض قوى المجتمع العميث على إمكانية تاريخية جدية لمراجعة بنية المركزيات المتوراثة. في الاشتغال على مسألة التسامح في السياق المدني القانوني التشريعي التونسي المتولّد عن الثورة اجتهدت في تبيين محدودية المفهوم واقترحت توجيه التفكير نحو ما يمكن أن يجسّد ترتيبات ودية حرة بين مواطنين أحرار في نصوص تشريعية قانونية وممارسات تنظيمية إدارية تشكل فضاء تعايش منفتح، وبينت أن العمل على تشييد هذا الفضاء الاجتماعي يضع ضرورة تحدّيات أساسية تتعلق بتعايش العديد من مناظير العالم وتصوّرات المعرفة وأنظمة الاعتقاد وسلالم القيم وأنماط العيش وطرز الممارسات الثقافية... هذه جوانب أخرى تشير إلى أن ما نحن فيه إطلال حقيقي على تغيير اجتماعي غير مسبوق العمق اجتماعيا وتاريخيا. في هذا السياق وفي غيره مما اشتغلتُ فيه على التعبيرات الثقافية الشبابية الاحتجاجية اهتممت بمسائل التغيّر الاجتماعي من مناظير تجديدية غير مسبوقة بالنسبة إلى تونس وبالنسبة إلى التقاليد النظرية والبحثية في علم الاجتماع فيها. يحتاج الأمر ميدانيا إلى إيلاء أهمية حاسمة لما أسميه مقول الفاعلين الاجتماعيين لا بالمعنى التقليدي المحدود لما يلتزم به عادة في الطرائق الاستقصائية الكيفية بل بمعنى أكون فيه أقرب ما أمكن للتقليد الإناسي في البحث. آتي إلى هذا من تقاليد البحث في علم اجتماع الثقافة في تصوّر هو أقرب إلى الدراسات الثقافية والنقد الثقافي الذين يحتل فيهما الأساس الاجتماعي أهمية أكبر مما اعتيد عليه في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وما جرى على منوالهما من المراكز المعرفية. أحاول في كل ذلك الاستفادة من اختصاصات علمية إنسانية واجتماعية خمس وأن أجمعها في آن معا بحيث يتآلف لديّ علم التاريخ بوصفه رسما للأمداء الزمنية الكبرى والفلسفة بوصفها رصدا لحركة الفكر، وعلم النفس بوصفه استقراء لدوافع الفعل ونوازع الغاية، وعلم الاجتماع بوصفه اشتغالا على الاجتماع الإنساني، والإناسة بوصفها علما بالإنسان ومنجزاته الجماعية. - على الصعيد الميداني تتميّز نصوصكم بتنوّع إحالاتها باعتمادها مادّة مستقاة من مصادر غير كلاسيكيّة، حيث أنّها تستمدّ مثلا من شبكات التواصل الاجتماعيّ والكتابات الجدارية وموسيقى الراب. فما هي مزايا هذا التمشّي؟ وكيف يمكن تجنّب الصعوبات المرتبطة بطبيعة هذه المادّة العفويّة المتحرّكة عند استغلالها في البحث السوسيولوجيّ؟ ما هو مهمّ في هذه المصادر أنها مَقُولُ فاعلين اجتماعيين يأتي إلى الباحث بمادة صالحة للجمع والتصنيف فالتحليل والفهم وصولا إلى التأويل ومن دون انتهاج الترتيبات الميدانية المعتادة في المقابلات. بهذا الفهم وفي هذا المنظور أنا أعتمدها وأسوّق ذلك على أنه يؤشر لا على مجرد تجديد تقني في كيفية استيقاء البيانات والمعطيات والمعلومات ولا حتى على ما لا يزيد عن تبنّ حاسم لتوجّه منهجي كيفيّ (نوعيّ) بل على نوع من الانقلاب الباراديغمي. كنت في نصوص سابقة وخاصة في كتابي عن المخيال (2006) لامستُ بعض مظاهر النّقد التي يمكن أن تُوجّه إلى التصوّر الوضعي للعلوم الاجتماعية ولعلم الاجتماع على وجه التخصيص. طُرُزُ القول والفعل والتفكير التي تشكّل مادة الاستقصاء العلمي الاجتماعي حسب التحديد الدروكايمي تجد لها هاهنا تجسّدا أقرب إلى المُجريات الفعليّة لمختلف مظاهر الحياة الاجتماعية. ليست المادة التي أستقيها للوقوف على ذلك ذات خصوصية متميزة من حيث "العفوية" و"التغيّر". كلّ مقول الفاعلين وفعلهم "عفويّ" و"متغيّر" في معنى نسجه لكيفياته وأطره وأنساقه ومعانيه وفكها لإعادة نسجها من جديد بما لا توقف له. ليس يتم استغلال ذلك من دون محاذير منهجية بطبيعة الحال. أنا أعي أنني أمام مادة ذات شكل جديد بالنسبة إلى المجتمع التونسي على الأقل، كما أعي أنني أمام نوع من الانسيابية والسيولة غير المعتادة وأحتاط لذلك بالانتباه الدائم إلى ما تفيد به مجالات علم اجتماع وسائط الاتصال، وعلم اجتماع الفن، وعلم اجتماع الشباب، وعلم اجتماع الممارسات الثقافية (مجال اهتمام قديم لي منذ إصداري فيه كتابا سنة 2007)... انطلاقا من ذلك أضع اليد على أكثر ما أمكن من العناصر المفسّرة لكيفية نشأة طرز القول والفعل والتفكير واسترتيجياتها... بحيث يمكن الوعي بكيميائها مما ييسر فهمها فتأويلها. تقنيا أنا أحاور الفاعلين وأجري معهم المقبلات وأتابع التظاهرات وأناقش مع كل من يمكنني ملاقاتهم في مدن مختلفة وأقرأ بحوث غيري وأتابع الحوارات الصحفية المكتوبة والمسموعة والمرئية وأتصفح ما يوضع على حسابات الفايسبوك الشخصية وأطلع على ما يوضع على شبكة اليوتيوب وأسجل على حاسوبي ما أرى أنه مفيد لي وأبني بتفاصيله قواعد معطيات أحيّنها على مرّ الأيام... إيبستيمولوجيا لا يستقيم هذا المسار من دون خطّ عودة تكون نقطة انطلاقه موقف الفاعلين من فهم "العلماء" لفعلهم وتأويلهم إياه. هذا هو معنى اعتباري أن الخطاب العلمي خطاب ينهض على خطابات الفاعلين. هم يفعلون ويؤوّلون ما يفعلون وهو يؤوّل تأويلهم. بطبيعة الحال لا يمكن تصوّر خطاب من دون مُخَاطَبية، أيْ وَضْعِ تَخاطُبٍ (وتَسَاكُتٍ مثلما أشرتُ إلى ذلك في نصّ لي نُشِرَ سنة 2010) يؤسّس لما أسميْتُه في أكثر من موضع، وبالاستناد إلى ميخائيل باختين وتزيتفتان تودوروف، حِوَارِيّةً عَامَّةً. - فيّ نصّكم حول التحرّك الثّوريّ والانتقال الديموقراطيّ وتدوير النخب اعتبرتم أنّ سحب البساط من أقدام النخبة الصّاعدة قد تمّ عبر الإجهاز على المجلس الوطنيّ لحماية الثورة وإقرار الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديموقراطيّ. في تقديركم ما هي العوامل التي عجّلت بفشل النخبة الصاعدة والحال أنّ الزخم الثوريّ كان على أشدّه حينئذ؟ - في النصّ الذي يشير إليه السؤال (سينشر في بيروت قريبا) محاولة للإجابة. التراث النّظري الذي اعتمدته، والذي يعود اشتغالي عليه إلى سنة 2007 (الموسوعة العربية للمعرفة، المجلّد الاجتماعي) يرى في "تداول" النخب على مواقع النفوذ والقرار والتحكم تَدْوِيرًا يخضع إلى منطق قابل للتحديد سوسيولوجيا ويمكن تسويقه ضمن نظرية عامّة لصناعة النخب وتصعيدها. ضمن هذا المنظور وضعتُ قراءتي لما تمّ على أساس أنه إعادة ترتيب للتّوافق بين الخارطة الاجتماعية والخارطة السياسية والجمعياتية بما أنتج حَرَكَةً تَدْوِيرٍ للنُّخَبِ الحاكمة. في المقال استعراض نقديّ لمقولتين تحليليتين أساسيتين في ذلك هما "بنية الإمكانيات السياسية" (تشارلز تيللي وسيدني تارو) من جهة و"تهجين السّياسي" (ميشال كامو). مفاد التحليل الذي استقام لي باستخدامي للمقولة الأخير هو أنّ مثل الحركات الاجتماعية التي شهدنا في تونس، وبفعل إندراجه في سياق معولم، يستجمع في آن معًا آثار المجتمع السّياسي المعارض والمجتمع المدني، والمكوّن الحركي والمكوّن الإعلامي والرّافد الشعبي والرّافد المثقّف وفعل الداخل وفعل الخارج... ومن منظور أثر الحركة الاجتماعية يشمل ذلك خاصة ما بات يعرف بالإعلام المُوَاطني أو البديل والتجمّعات المعارِضة ومنظّمات المجتمع المدني والضغوط الدولية وخاصة تلك التي يكون مصدرها بلدان المركز الاستعماري القديم الساعي إلى مراجعةٍ لا تتوقف لأوضاع المستعمرات والمحميات القديمة وآليات عملها ما بعد الاستعمارية. وليس يغيب عن ذلك نوع آخر من تهجين السياسي تنبثق منه خلائط حركية وتنظيرية وإعلامية جماعاتية وهوياتية محلية وإثنية ولغوية وجهوية ... إذا ما قَرَنَّا ذلك إلى ما أشرنا إليه أعلاه من تضمّن بنية الهيمنة العامة بنى هيمينية فرعية اكتملت لدينا عناصرُ إجابة ممكنة على السؤال. أشرتُ في النصّ إلى أنّ النّخب الحاكمة بأثر نتائج انتخابات 23 أكتوبر تميّزت بكونها حزبية رئيسيا وذات ماض سجني أو "مضطهد" إلى حدّ، وذات رصيد من الدعم الخارجي عبر شبكات المساندة الحقوقية الدولية المعروفة... لم يتغيّر الأمر بعد رحيل الترويكا من الحكم (آخر جانفي 2014) إلا في نقطتين جانبيتين هما تكنوقراطية الحكومة المؤقتة ولاحزبيّتها. هما سمتان مناقضتان لتحليلي ولكنهما جانبيتان لأنهما سمتا فترة انتقالية داخل المرحلة الانتقالية. جدول الأعمال الرئيس في هذه الفترة هو إراحة المقاتلين وإعادة تنظيم الصفوف قبل المعركة الانتخابية القادمة التي ستجري على نفس قاعدة ما اعتبرتُه في المقال تناقضا بين المسار السّاعي إلى تثوير الخارطة الاجتماعية والمسار الساعي إلى إعادة إنتاج النخب الحاكمة. في الأثناء سيكون على النخب الحاكمة "التكنوقراطية" أن تعبّد أطول شَطْرٍ من الطريق الذي ستسلكه قوى المنوال الاقتصادي الاجتماعي النيوليبرالي المعولم في اتجاه استعادة زمام المبادرة وعلى الأخص في نقطة إعادة رسم العلاقة بين الدّولة والسوق. - في إطار الحديث عن النّخبة دائما، تذهبون إلى أنّ "الوعي بالمآزق الثقافية المحدقة ضمن النخبة السياسية الحاكمة أو المعارضة سواء بسواء حادّ الانخفاض"، لكن مقابل هذا التشاؤم من موقف النخبة تبدون تفاؤلا بحيوية المجتمع وحركيّة الأجيال الشّابة. أستاذ منير، على أيّ أساس تبنون ثقتكم في قدرة المجتمع والحال أنّ الزّخم الجماهيريّ قد توقّف وخطاب الشكّ والإحباط هو الذي بات يهيمن؟ انسجاما مع استخدامي التهجين السياسي مقولةً تحليليةً يُمكن لي أن أشير إلى أن مِن بيْن سمات مسارات التثوير تزايد الفوارق بين سرعات اشتغال الحقول الاجتماعية وعدم انسجام آليات اشتغالها. في المجتمع "العميق" و"غير السياسي"...، مثلما أسلفنا الإشارة إلى ذلك، قوى احتجاجية تجديدية بالغة التأثير. خذ لك مثلا التعبيرات الثقافية الاحتجاجية الشبابية. وُلِدَت أكثر العلامات وضوحا على الاختبار النقدي للعلاقة الجديدة بين السلطة و"انفلاتات التعبير المحتجّ" داخل الحقل الثقافي والشبابي منه خاصة والاحتجاجي منه على وجه أخص وتحديدا في حقلي الراب والغرافيتي الفرعيين. وبالفعل فقد شهد الحقل تكثيفا للنزاعات أكثر تركيزا بكثير مما كان في السياسي الذي انقاد في الأثناء إلى مماحكات متجاذبة على شاكلة حملة انتخابية قبل الأوان. استجمع شباب الراب والغرافيتي في أحياء العاصمة الشعبية وغيرها من المدن في دفاعهم عن حرّيتهم حقهم التعبيري أكثر ما أمكن من حدة الاحتجاج وسخط العبارة وعمق التصوير والتنمر المخاصم لأجهزة المراقبة والمعاقبة الأمنية والقضائية وحتى الإعلامية. كان الأثر المباشر لذلك محاكمة مجموعة زواولة للغرافيتي (بتهمة الرسم على جدار ملكية خاصة من تونس ترخيص) ومغني الراب ولد الكانز (جراء أغنيته "البوليسية كلاب") وكانت ردود فعل "أبناء حقلهم" هي الأقوى. مباشرة بعد ذلك (أواخر ربيع 2013) كان بإمكان المرء أن يلاحظ نوعا من الانقلاب في المشهد ببروز "نزعات" جديدة قد يكون أبلغ تعبير عليها مقطوعة الراب التي تحمل عنوان "حوماني". في كلمات المقطوعة المبتدعة مفردات جديدة وقالبة لمواضعات اللغة القانونية والأخلاقية والمعيارية والقيمية ورسم "للحومة" في تخييل وضعه له الشباب بوصفه عالما منقطعا عن بقية العالم ينهشه الفقر والتهميش والإقصاء والمخدرات ولا تحضر فيه الدولة إلا قامعة أو مشتومة. لا تكتفي المقاطع المصوّرة بمرافقةٍ داعمةٍ لذلك بل هي سردية متكاملة: وجوه أرهقتها المخدرات وضحكات مستهزئة بمصائر "ضائعة" لا تخفف منها إلا حركات ودودة بين أولاد الحومة وحركات روتينية تلتقط الخبز من براثن الخواء... في آخر السردية المصورة ركلة لعلامة مرور تطلب إفساح المجال. على السطح، نحن إزاء مظاهر قد تُحيل ثانية على فكرة الانسحاب. ولكني أظن أن العمق بِنَائِيٌّ وليس هادما، مقاوم وليس مستسلما... هو تشييد لاجتماعية جديدة بعد أن تم إنكار حق هؤلاء في اللعن والشتم (شكون تحبونا نسبو= "من تريدوننا أن نلعن إذا"؟ (ضمنيا إن لم نلعن من نلعن في أغانيا وخاصة في مقطوعة ولد الكانز)) وبعد أن اكتشفوا أن "الحال" لا تزال خانقة ("هوني خنقة" في الكلمات مع مشهد للكلمة مرسومة على الجدار) وأن لا جديد منقذ لهم فيها (رَاكْ مَاسِطْ، رَاكْ لاَسِطْ، رَاكْ سِلْعَه كَلْخَه مَا تْشَيِّخْشْ الرّاسِطْ = أنت سمج، لا طعم فيك، أنت بضاعة (مخدرات) مزيفة لا تُدَوْزِنُ الرأس). هذه ملامح اجتماعية تنسحب من مجالات سيطرة الدولة إلى حميميات معاشرة أخرى. من الضروري بطبيعة الحال أن نشير أيضا إلى أنّ التناسب بين مصاريف إنتاج المقطوعة (250 دينار حسب تصريح الحمزاوي) وانتشارها المليوني غير مسبوق، وكذا التناسب بين حدة تعبيرها الانتقادي ويسر انبثاثها. لسنا إزاء مجرد ظاهرة عابرة إذا بل إزاء عمل في العمق على قلب موازين القوى في آليات الانتاج والتسويق للفنّ وللحياة في آن معا. بالتوازي مع ذلك لا يمكن لعين الملاحظ أن تخطئ اتجاهات "جديدة" تربط ربطا مستحدثا بين المطلبية الاجتماعية والكيانية الهوياتية (يعود اهتمامي بالهوية إلى كتابي الأول، 2005). يرى الفاعلون في الحركات الاحتجاجية التي تتخذ من المسيرات والاعتصامات وقطع الطرقات شكلا لها ومن المطالبة بما يوضع عادة تحت عنوان "حق الجهة في التنمية" أنهم الأحق بالاستفادة من المؤسسات الاقتصادية الكبرى وذات القدرة التشغيلية التي يتصورونها عالية ما دامت موجودة في "مجالهم الحياتي"، "عندهم"، "في ترابهم". ليست تلك "عروشية" بالمعنى التقليدي، ولا "جهوية" بالمعنى القديم ذانك المظهران البغيضان من مظاهر سياسات الدولة ما بعد الاستعمارية. هما عمل على إعادة تأسيس العلاقة بين مكوّنات المجتمع ومنظوري الدولة على أساس الكفاح من أجل بناء تراتب جديد لمستويات ما تحت الدولة فالدولة فما فوق الدولة. اعتبرتُ ذلك في محاضرة لي على منبر مركز مسارات سياقات جديدة لنزاعات الهوية في تونس. من اليسير في هذا المنظور أن نرى في هذا أساسا لمشروعية قوية للمطالبة بالديمقراطية الجهوية والمحلّية التشاركية العادلة. إذا ما أخذنا هذا وغيره مما يشبهه في العمق وإن خالفه في المظهر على أنه حالات أمثولية جاز لنا التفكير في اتجاه الافتراض التالي: تتخذ الحركات الاحتجاجية على مآل الثورة المغدورة اتجاهات مبثوثة ومنسابة وغير قابلة للتحديد ومتفارقة ولكنها في ذلك تستعيد حيوية إعادة بناء الاجتماعية في اتجاه غير مسبوق يمضي من تحت إلى فوق أي من أعماق المجتمع إلى أشكال محتلمة من التمثيل السياسي في الدولة ومحيطها. يمكن رؤية ذلك بالوضوح الكافي إذا تلقينا بإيجابية إشارات الدعوة إلى التخلي عن المركزيات القديمة والتقليدية لأنها حَوْلاَءُ، تبحث عن التغيير في غير مواضعه وعن الزّخم في غير مكامنه وعن الفاعل في غير مواقعه. ما اعتيد عليه من مكامن نَضَبَ مَعِينُهَا فلم تعد قادرة على الإتيان بالجديد من حيث نفخ حيوية متوافقة مع الرّغبة في تغيير أنماط الحياة والممارسات الثقافية المرتبطة بها. - لو انتقلنا إلى مهنتكم، مهنة عالم الاجتماع، و بالتحديد من زاوية علاقتها بالإعلام، كنتم قد وقفتم عند الحضور الإعلاميّ لعدد من علماء الاجتماع، حيث صاروا يتصدّرون العديد من البرامج التلفزية وصفحات الجرائد، فهل يتعلّق الأمر بعملية استدراج للاستثمار والتوظيف؟ أم يمكن اعتبار ذلك إدراجا للمعرفة السوسيولوجية في الخطاب الإعلاميّ استجابة لطلب حقيقيّ فرضته المتغيّرات الأخيرة؟ - المعنى الأول لا ينفي الثاني. ليس بإمكان الإعلام على كل حالّ مواصلة العمل بنفس الأسلوب القديم. لا بدّ له من أن ينتهج مناهج مستحدثة للإقناع بحيث يبني له مقروئية أو مسموعية أو منظورية تمكّنه من الاستمرار على الأقل وتحصيل الارباح إن كان ذلك ممكنا. الإشكال الحقيقي بالنسبة إلى علماء الاجتماع من بين آخرين من زملائهم في العلوم الإنسانية والاجتماعية أنّ هذا المجال ليس مجال معرفة إلا بنزر قليل. ليس التليفيزيون وحيدا في ذلك على ما اعتبر بيار بورديو. ولكن من الناحية الثانية ليس بمستطاع علماء الإنسان والمجتمع هؤلاء أن يتغاضوا عن هذا "المنبر" الجديد. هم في حاجة أيضا إلى نشر معارفهم وبحوثهم وحتى وجهات نظرهم ومواقفهم ورؤاهم و في ذلك مخاطر "انحراف" نحو احتلال مواقع يسجنهم فيها الإعلام عبر تلك التسميات التي يطلقها عليهم: محلل، خبير، باحث في، له اهتمام بـ... ليس الأمر جديدا بالنسبة إلى ذلك التناقض الحاد إلى هذه الدرجة أو تلك والذي يصوّر العلاقة بين المعرفة وغيرها، عَنَيْتُ السياسة، الخبرة، الإعلام... أنا أرى أنّ مؤشّر الاستخدام "الناجح"، حتى بمعنى تحقيق أكثر ما أمكن من المكاسب مع تكبّد أقل الأضرار احتمالا، مزدوج المقاييس: الحفاظ على ما للمعرفة من سلطة مرجعية أساسها الموضوعية والبرهنة المعللة من جهة، والانتباه الإيجابي لما أسميته منذ حين "الحوارية العامة". في تقديري، لعالم الاجتماع دور في تسليح القراء والمستمعين والمشاهدين بأكثر ما أمكن من أدوات فهم الأوضاع وتقدير المواقف واتخاذ القرارات مع الوعي بوجود وساطات قد تشوش عليه "صفاء دوره هذا" ومن بينها الوساطة الإعلامية للغايات المعروفة عليها ربحا ماديا واصطفافا سياسيا وانخراطا إيديولوجيا مما يكثفه ما يسمى بالخط التحريري عادة. في تقديري، ليس الموقع الحقيقي للمعرفة، إن استأهلت تسميتها تلك، في رفوف المكتبات فحسب ولا في بطون المصنفات فقط... بل في جولان حرّ ومنساب ما أمكن في دروب حياة حقيقية تلقي بها بين أيادي العباد وفي أرجاء البلاد. لا خير في علم لا ينفع الناس كما قالت العرب قديما، و أفضل ما يكون ذلك ضمن مثلث: المعارف، الثقافات والتغيير الاجتماعي. بل أنا أعتبر أن من بين أَوْكَد المعاني التي يمكن أن نفهم بها إعادة تأسيس العلاقة بين الجامعة ومحيطها السياسي والإعلامي والاقتصادي و... هو استعادة المجتمع لجامعته. لم تكن جامعتنا تنفع الناس إلا قليلا لأنها لم تكن حرّة في بناء علاقتها السّوية بمجتمعها على ما يراه آكاديميوها بصفة حرة مستقلة وديمقراطية بالمعنى التشاركي الحواري، لا في المعنى المحدود الذي يقصر ذلك على مجرد تَنَافُذٍ أداتي تجنيدي بيْن الجامعة و"مكوّنات المجتمع المدني" كما اعتيد على القول. يمكن أن تكون هذه بوصلة صالحة تترافد مع المؤشّر مزدوج المقاييس الذي أشرت إليه. على أساس ذلك يمكن أن نتداول في نوعية المعرفة العلمية الاجتماعية المناسبة لذلك: نقدية، عمومية، نشطة، متدخلة، تطبيقية، علاجية... - هل يمكن القول بأنّه قد كتب عمر جديد لمهنة علم الاجتماع في المجتمعات العربية وأنّ أبواب جديدة قد فتحت أمامها؟ وكيف تقرؤون حضور علماء الاجتماع في مراكز البحث والدراسات النّاشئة؟ أشرت في إجاباتي على أسئلة مجلة إضافات (الجمعية العربية لعلم الاجتماع، بيروت) لي في هذا الصدد إلى بعض العناصر التقييمية التي أرى على أساسها حال ممارسة علم الاجتماع في تونس الراهنة. ودققت بعض هذه الرؤى في ورقتي التي ساهمت بها في مؤتمر علماء الاجتماع العرب أمام أسئلة الراهن (مقر مركز البحوث في الأنتروبولوجيا الثقافية والاجتماعية، وهران، فيفري 2014). رأيت فيما رأيت أن علماء الاجتماع العرب يواجهون سياقا جديدا من بيْن مقوّماته توسّع في حرّية الإعلام والتعبير، نفاذٌ أعمق وأشمل إلى المعلومات، يسر أكبر في الوصول إلى الفاعلين، مجال أوسع للخوض في أعمال ميدانية مفتوحة،... لا ينفي ذلك أننا لا نزال نشتغل بنفس البنية التي تهمّش الباحثين الشبان وقليلي الخبرة وغير المحتلين لمواقع متقدمة في الأصناف الجامعية، إلخ... ولكن الإشكال الأكبر من وجهة نظري هو عدم تهيّؤ الباحثين لهذا الجديد في مستويين: الأول طريقة العمل والثانية باراديغمات التفكير. لا يزال يهيمن على الأوّل العمل الفردي بل والمنفرد بما يعوق العمل الجماعي المنظم في مخابر أو فرق أو حتى مجموعات بحث، ناهيك عن العمل متعدد الاختصاصات مبرمجا على أساس تقديرات دقيقة لميزانيات الوقت والمال وتوازن المرجعيات المتظافرة... في المستوى الثاني تحضر بقوة متون التفكير الوظيفية والبنيوية بما فيها ذات التلاوين التاريخية... والتي لا تعير الاعتبار الحاسم للفاعل وفعله ولا للتغيّر وثقله. النتيجة الحاصلة بعيدة عن أن تكون مرضية. صحيح أن الكثير من الأبواب قد فتحت أمام علماء الاجتماع وإذًا أمام ممارستهم لمهنتهم. ومن علامات ذلك تكاثر المراكز العلمية والبحثية وتغيّر المشهد العلمي الاجتماعي العربي من حيث اللقاءات والتشاور وتبادل الخبرات والتجارب والمنشورات... الخطوات الضرورية القادمة هي تيسيرٌ أكبر لحركة الطلاب والأساتذة سواء بسواء ورفع للحواجز البيروقراطية والسياسية والمالية تجاه ذلك والخوض في تشبيك أكبر للمؤسسات البحثية والآكاديمية منها خاصة وتثمين أكبر لمنتوجات. من الضروري أن يتمّ كلّ ذلك تحت شعار "استعادة المجتمع لجامعته" الذي أسلفت الحديث فيه أو ما يقرب منه. قد يكون واحد من مداخل ذلك الممكنة تعزيز جمعيات علم الاجتماع العربية القطرية والجمعية العربية. واقع الجمعية التونسية لعلم الاجتماع مثلا مخيب للآمال وقد اعتبرتُ أنها في مؤتمرها الأخير أضاعت فرصة كبرى لتصحيح وضعها في هذا الاتجاه ولم يكن ذلك عفويا مثلما بيّنت في استجواب مجلة إضافات لي. أنا على تمام الوعي إذًا بأن المسألة نزاعية وليست بالبساطة التي قد يبدو أن الأسطر السابقة توحي بها، إذ هي مسألة تقع في قلب الإجابة عن أسئلة ديمقراطية المعرفة بناءا ونشرا وتوزيعا للثمار. ذلك وجه من أوجه مسألة مجتمع المعرفة على النحو الذي أفهمه، كما هو وجه من أوجه منهج "الحوارية العامة" على النحو الذي أقترحه، كما هو أساس من أسس التجديد النظري في اتجاه معرفة ما بعد استعمارية وناقدة للاستتباع على النّحو الذي أطمح إليه.
Ibra Marweni
تعقيبات
تعقيبات الزوار